أرشد الفنار (المنارة) البحارة على مسافة 60 كلم لستة عشر قرون خلت ولم يتوقّف منذ ذلك الحين عن سلب خيال البشر، إنه رمز مدينة خّطها الإسكندر على الرمال المصرية وكانت واحدة من عجائب الدنيا السبع. تمّ بناء المنارة عام 283 قبل الميلاد فى عهد الملك بطليموس فيلادلفيوس. وتألف البرج من ثلاثة طوابق ليبلغ ارتفاعه 135 مترا، وهوى فى زلزالين فى القرنين الثانى عشر والرّابع عشر بعد الميلاد . حاول الرحالة والمؤرّخون البحث عن بقايا المنارة فى خليج الاسكندرية وفى جزيرة فاروس بالضبط التى أعطت الاسم للمنارة، ولكن دون جدوى إلى أن قام علماء الآثار الفرنسيون عام 1994 بمعاينة أعماق بحر الاسكندرية واستخرجوا آثارا ربّما شكّلت جزءا من منارة الإسكندرية.
بدأ العمل عام 1993 وتمّ إلقاء مكعّبات خرسانية كحاجز مائى أمام قلعة قايتباى المملوكية التى شيدت عام 1477 على الحافة الشرقية من جزيرة فاروس، لحماية القلعة من قوّة البحر الأبيض المتوسط المدمّرة. وقد نبّهت المخرجة السينمائية، أسماء البكرى، السلطات المعنية إلى مخاطر هذه العمليّة التى تهدّد بشكل مباشر الأطلال الأثريّة تحت البحرية والتى ثبت وجودها بالقرب من القلعة منذ الستينات. فكلف عام 1994 ، المجلس الأعلى للآثار المصريّة بمهمة الحفر، تحت البحر وشرق قلعة قايتباى، مركز الدراسات الاسكندرانية الذى أسسه عام 1989 المركز القومى الفرنسى للبحوث العلميّة بإدارة عالم الآثار السيّد جان ايف امبرور Jean-Yves Empereur. ثمّ بدأ الغطّاسون المصريون والفرنسيون والفنيون وعلماء الآثار والمختصون بالآثار المصريّة أوّل حملة فى الحفائر. تعهّد بالتمويل المعهد الفرنسى للآثار الشرقية IFAO التابع لوزارتى التعليم القومى والبحوث التقنية والخارجية، وجديون GEDEON شركة خاصة للإنتاج السمعى البصرى ومؤسسات آلف والكهرباء ELF; EDF.
لازالت أنحاء مدينة الإسكندرية القديمة ترقد منذ قرون على عمق يتراوح بين 6 و 8 أمتار تحت البحر و منها القصور الملكية والعمائر الأخرى . لهذا واجهت البعثة صعوبات عديدة تمثّلت بضعف الرؤية نتيجة دكونة الماء فى خليج الإسكندريّة ووجود المكعّبات الخرسانية للحاجز المائى التى ألقى بها عام 1993.
و مع ذلك تمكّنت بعثة جان ايف أمبرور من التعرف على ما يقارب ثلاثة آلاف كتلة معمارية منها تيجان وقواعد أعمدة وتماثيل لأبى الهول ومسلات وتماثيل ضخمة وكثير من الآثار ذات الطرازين الفرعونى واليونانى. يرجع العديد منها إلى عصور سابقة على الحقبة الإسكندرانية بين القرنين التاسع عشر والسادس قبل الميلاد مثل أعمدة على هيئة حزمة البردى تحمل اسم رمسيس الثانى 1235-1298 قبل الميلاد، ومسلات من عصر الفرعون سيتى الأول 1298-1312 قبل الميلاد، وتماثيل على هيئة أبى الهول تمثل الفرعون سينوسرت الثانى 1878-1897 قبل الميلاد وعناصر أخرى تعود إلى الحقبة البطليمية بشكل خاص تمثال أحد ملوك البطالمة الهائل.
يتمّ المسح الأثرى ورسوم الأطلال تحت البحريّة بطريقة تقليدية على فيلم شفاف بواسطة قلم وممحاة ومقياس مترى. وقد لزم تحريك الكتل الضّخمة التى تزن أحيانا أكثر من سبعين طنا بواسطة بالون مملوء بالهواء. ثم يتمّ تحليل المعلومات وتصنيفها وإدراجها فى بطاقات معلوماتية للكومبيوتر بهدف الحصول على خريطة الموقع. ولقد مكّنت هذه المعطيات شركة الكهرباء الفرنسية من إعادة تمثيل لمبنى المنارة بأبعاده الثلاثة 3 D.
تشكلت القناعة عند بعثة جان إيف أمبرور بأنها عثرت على العناصر الأولى لمنارة الاسكندرية وتمكنت من التعرف على ما يقارب 12 كتلة حجرية مميزة تنتمى إلى صرح غرق فى شرق جزيرة فاروس. يؤكد حجم الكتل الحجرية الضخمة من غرانيت أسوان والتى تصل من الإرتفاع 11 مترا و من الوزن بين 50 و 70 طنا ، إضافة الى موقعها تحت البحر جانب قلعة قيتباى، انتماءها إلى منارة الإسكندرية، وربما كانت أطر أبواب وشبابيك الفنار.
تستند البعثة الفرنسية فى قناعاتها على العديد من الشهادات القديمة والحديثة لعلماء الجغرافيا وللرحّالة والمهندسين اليونانين والعرب واالفرنسيين الذين ذكروا أنّ المنارة تقع فى مكان قلعة قيتباى ومنهم الجغرافى "سترابون Strabon" والرحّالة عبد اللطيف البغدادى الذى زار الإسكندرية عام 1200-1201 . لازال هذا الموقع الغنى والمتميز يحمل الكثير من المفاجآت، إذ حددت البعثة الفرنسية فى الجهة الشمالية من الميناء الشرقى، موقع حطام سفن يونانية ورومانية من القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن السابع بعد الميلاد وذلك دليل على أهميّة الإسكندرية فى التبادل التجارى فى تلك الفترة. كما وقعت دراسة شحنة واحدة من هذه الأحطمة أنتجت أنّ السفينة الناقلة أبحرت، خلال القرن الأول قبل الميلاد، من جنوب شرق إيطاليا متجهة إلى الاسكندرية بعد استراحة فى جزيرة كريت . وعند وصولها إلى مدخل الميناء الشرقى، اصطدمت بصخرة كبيرة موجودة إلى يومنا هذا على عمق ثلاثة أمتار وغرقت بمئات أمتار من العمق . ربّما حوت هذه السفن كنوزا أثريّة تفتح آفاق للبحوث المستقبلة.

