تحتوى شواطىء البحر الأبيض المتوسّط والبحر الأحمر على تراث كبير من الآثار تحت البحريّة ولم يقم علماء الآثار والمؤرخون حتّى الآن بدراسة شاملة لهذا التراث المصرى الذى يغطّى حقبة تمتدّ من القرن الرّابع قبل الميلاد إلى القرن الثّامن عشر من عصرنا هذا.
عام 1962 أقنع كامل أبو السّعدات ، رائد رياضة الغطس فى الإسكندريّة، البحريّة المصريّة بإخراج تمثال ضخم لملكة بطلميّة على هيئة إيزيس من الموقع الأثرى قرب قلعة قايتباى على عمق تراوح بين 6 و 8 أمتار. فتقدّمت مصر، نتيجة لإلحاح هذا الرّائد الذى كان أوّل من أدرك أهمّية التّراث الأثرى تحت البحرى، بطلب إلى اليونسكو لدراسة الموقع. وفى عام 1968 قدمت عالمة الآثار البريطانية هونور فورست Honor Forst لتقوم والسيد كامل أبو السّعادات بدراسة أوّليّة للتراث الأثرى تحت البحرى لميناء الإسكندريّة.
تاريخيّا، كان المجال البحرى تحت الإشراف العسكرى، وفى الثّمانيات أسندت مسؤولية التراث الأثرى تحت البحرى إلى وزارة الثقافة بفضل إصرار رئيس هيئة الآثار آنذاك، الدكتور أحمد قدرى. منذ ذلك الحين، يقوم المجلس الأعلى للآثار المصريّة بإدارة وتنفيذ جميع الأعمال الأثريّة فى مصر. ويشرف مثلا على أعمال البعثات الفرنسيّة واليونانية فى الاسكندريّة أو الأمريكية فى البحر الأحمر بتعاون وثيق. وقد أسست عام 1997 إدارة خاصة بالآثار تحت البحريّة.
عام 1984 قام جاك دوما Jacques Dumas رئيس الجمعيّة الدوليّة للنّشاطات المائية CMAS، تحت رعاية الأمير بونابرت (حفيد الامبراطور نابليون بونابرت) بحفائر على حطام الباخرة "الشرق"، باخرة أميرالية من أسطول بونابرت غرقت فى خليج أبى قير، وعثر على العديد من القطع الأثريّة على عمق 12 مترا بعد حوالى قرنين من غرقها. كان من بين القطع الذهبية خواتم ومعالق وعشرات الشمعدنات والمشوكات من البرونز والعديد من المسدسات والسيوف، وقطع نقدية فضية تحمل نقش لويس الخامس عشر ولويس السادس عشر بكميات لا تحصى وقطع برونزية من عصر المماليك (معروضة اليوم فى متحف قايتباى فى الاسكندريّة)
فى أبريل 1986، وقع الدكتور أحمد قدرى، رئيس هيئة الآثار المصريّة، والسيّد مارسيل بواتو Marcel Boiteux، رئيس شركة كهرباء فرنسا اتفاقية تعاون علمى وتقنى يتمّ بموجبها تأسيس معمل فى كوم الدكة ، فى قلب الإسكندرية، لترميم وحفظ القطع الأثريّة المعدنية التى عثر عليها تحت البحر وذلك طبقا لتقنيات الكهرباء الكيميائية " الالكتروكيمياء". جرى فى هذا المعمل ترميم القطع الأثريّة بين حطام باتريوت Patriote أهمّ السفن التجاريّة فى أسطول بونابرت والتى غرقت فى ميناء الاسكندريّة الغربى على مسافة 15 كلم. و فى ديسمبر 1986، قدّمت مصر، بمناسبة زيارة الرئيس حسنى مبارك الرسمية إلى فرنسا، واحدا من المدافع الأربعة التى عثر عليها بين حطام باتريوت والمعروض حاليا، بعد أن تمّ ترميمه، فى المدرسة العليا بوليتكنيك.
منذ عام 1994 إلى 1998 قامت بعثة أمريكية تحت إشراف شيريل وارد ودوقلاص هلدان بحفائر فى سعدانة ، موقع تحت البحر بالقرب من مدينة سفاجة على البحر الأحمر. وقد عثرت بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار على حطام سفينة ترجع إلى العصر المملوكى (1251-1382) وعلى جرار أيضا وأوانى خزفية تعود إلى القرن الرابع عشر. يجرى العمل على ترميم هذه الآثار حاليا فى معمل المتحف البحرى فى الاسكندرية. تجسد اليوم الاسكندرية "منارة" الأحداث الأثرية ذات الصدى العالمى، مدى التعاون العلمى بين مصر و فرنسا. وتعتبر الآثار التى عثر عليها مركز الدراسات السكندرية أثناء الحفر بالقرب من قلعة قايتباى من أروع قطع معرض"مجد الاسكندريّة" فى القصر الصغير فى باريس من 7 مايو إلى 26 يوليو 1998 فى إطار الإحتفالات الثقافية لعام" مصر فرنسا : آفاق مشتركة".

